الطبراني

64

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

والقرآن الكريم وردت فيه ألفاظ ملتزمة لا يمكن أن يؤدّى المعنى بدونها ، فقوله تعالى : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى « 1 » فإن كلمة ضيزى هنا لا يمكن أن تؤدّي معناها أيّة كلمة مرادفة أو مقاربة ، لا قسمة ظالمة ، ولا جائرة ، ولا غير ذلك مما هو في معناها . وقوله تعالى : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ « 2 » فإن كلمة الحمير لا يمكن أداء المعنى بغيرها ، ومن أجل ذلك روعي لفظها في التركيب محافظة على المعنى . هذا من حيث المحافظة على التعبير بنفس اللفظ أو عدم المحافظة . أما من حيث المحافظة على المعنى الإفرادي بتبيانه أو عدم المحافظة ، فإن من معهود العرب أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم ، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني ، وإنما أصطلحت الألفاظ من أجلها . إلا أنه إذا كان مقصود الجملة المعنى الإفرادي فيجب أن توجّه العناية إلى معنى المفردات مع معاني الجملة ، وإذا كان مقصود الجملة المعنى التركيبي ، فإنه يكتفى بالمعنى الإفرادي لئلا يفسد على القارئ فهم المعنى التركيبي للجملة . وقد جاء القرآن الكريم على هذا المعهود ، وسار عليه في مختلف الآيات . ولذلك قال عمر بن الخطاب حين سئل عن معنى قوله تعالى : وَفاكِهَةً وَأَبًّا نهينا عن التّكلّف والتّعمّق ، عن أنس قال : كنا عند عمر فقال : [ نهينا عن التّكلّف ] « 3 » ، أي في المعنى الإفرادي في مثل هذه الجملة المراد منها المعنى التركيبي . إلا أنه إذا كان المعنى الإفرادي يتوقف عليه المعنى التركيبي فيجب بذل العناية للمعنى الإفرادي . ولهذا نجد عمر بن الخطاب نفسه سأل وهو على المنبر عن المعنى الإفرادي لكلمة التخوّف حين قرأ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فقال له رجل من هذيل التخوّف عندنا التنقّص وأنشده : تخوّف الرّحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السّفن

--> ( 1 ) النجم / 22 . ( 2 ) لقمان / 19 . ( 3 ) عبس / 31 ، أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة : الحديث ( 7293 ) .